محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
234
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
ولكن هذا شاب من العرب لم يحنكه « 1 » السنّ ولم تحنّكه الآداب فكرهت أن يجلس في حيّه فيقول : أعطيت إبراهيم ألفي درهم ، فيحبط اللّه أجره وتذهب دراهمه » . وممن ذهب إلى هذا سفيان الثوري رضي اللّه عنه كان يشترط على بعض من كان يأخذ منه أن لا يذكره ، لإشفاقه عليه ، لا من أجله ، بل من ذهاب أجره ، لأنه قيل في معنى قوله تعالى : لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى [ البقرة : 264 ] . قال : المنّ : أن يذكره ، والأذى : أن يظهره . وقال الجنيد للرجل الخراساني الذي جاءه بالمال وسأله أن يأكله ، فقال الجنيد : أنفقه على الفقراء . فقال الرجل أنا أعلم بالفقراء منك ، ولم أختر هذا ! ! فقال له الجنيد : بل وأنا أؤمّل أن أعيش حتى آكل هذا ! ! فقال : إنّي لم أقل لك أنفقه في الخلّ والبقل ، وإنما قلت أنفقه في الطيبات وألوان الحلاوات . وكلما نفد أسرع كان أحبّ إليّ . فقال الجنيد : ومثلك لا يحلّ أن يردّ عليه . فقبله ، فقال الرجل : ما ببغداد أحد أعظم منّة عليّ منك . فقال الجنيد : وما ببغداد أحد ينبغي أن يقبل منه شيء إلّا من كان مثلك » . وكان السريّ السقطي يوصّل إلى أحمد بن حنبل رضي اللّه تعالى عنهما الشيء فيردّه ، فقال له سرّي : يا أحمد ، احذر آفة الردّ فإنها أشدّ من آفة الأخذ ! فقال أحمد : أعد عليّ ما قلت . فأعاده ، فقال له أحمد : « ما رددت عليك إلّا وعندي قوت شهر ، فاحبسه لي عندك ، فإذا كان بعد شهر فأنفذه إليّ » . وعلى الجملة ، فلا ينبغي أن يأخذ إلّا من يد زاهد عارف فبذلك يسلم من الآفات ويكفي من جميع المئونات . وقال أبو بكر الدقّاق : منذ أربعين سنة أصحب هؤلاء فما رأيت رفقا لأصحابنا إلّا من بعضهم لبعض ، أو ممن يحبّهم ومن لم تصحبه التقوى والورع في هذا الأمر أكل الحرام الصرف ! ! وإن أراد أن يسأل أمثال هؤلاء فليفعل ، قال أبو طالب المكي رضي اللّه تعالى عنه : كان بشر بن الحارث ، رضي اللّه تعالى عنه ، لا يقبل من الناس شيئا ، وكان بعضهم يقول : أحب أن أعلم من أين يأكل ؟ فقال له من يخبر أمره : أنا أدري من أين يأكل ! كان له صديق عاقل ، يعني نظيره في العقل والدين ! لأن بعضهم كان لا يقبل إلّا من النظراء ولا يقبل من الأتباع . وهذا الصديق العاقل الذي كان يقوم بكفايته ولم يكن يظهر أمره ولا يلتقي معه هو السري بن مغلّس السقطي رضي اللّه عنه . قال بشر ، رضي اللّه عنه : « ما سألت أحدا قطّ شيئا من الدنيا ، إلّا سريا السقطي ، لأنه قد صحّ عندي زهده في الدنيا فهو يفرح بخروج
--> ( 1 ) حنكه الدهر : هذبته تجاربه .